محمد الريشهري
3440
ميزان الحكمة
[ 3997 ] الهداية العامة الإلهية الكتاب * ( قال ربنا الذي أعطى كل شئ خلقه ثم هدى ) * ( 1 ) . * ( الله نور السماوات والأرض ) * ( 2 ) . التفسير : قوله تعالى : * ( قال ربنا الذي أعطى كل شئ خلقه ثم هدى ) * سياق الآية - وهي واقعة في جواب سؤال فرعون : " فمن ربكما يا موسى " - يعطي أن " خلقه " بمعنى اسم المصدر ، والضمير للشئ ، فالمراد الوجود الخاص بالشئ . والهداية إراءة الشئ الطريق الموصل إلى مطلوبه ، أو إيصاله إلى مطلوبه ويعود ، المعنيان في الحقيقة إلى معنى واحد وهو نوع من إيصال الشئ إلى مطلوبه : إما بإيصاله إليه نفسه أو إلى طريقه الموصل إليه . وقد أطلق الهداية من حيث المهدي والمهدي إليه ، ولم يسبق في الكلام إلا الشئ الذي أعطي خلقه ، فالظاهر أن المراد هداية كل شئ - المذكور قبلا - إلى مطلوبه ، ومطلوبه هو الغاية التي يرتبط بها وجوده وينتهي إليها والمطلوب هو مطلوبه من جهة خلقه الذي أعطيه ، ومعنى هدايته له إليها تسييره نحوها ، كل ذلك بمناسبة البعض للبعض . فيؤول المعنى إلى إلقائه الرابطة بين كل شئ بما جهز به في وجوده من القوى والآلات وبين آثاره التي تنتهي به إلى غاية وجوده ، فالجنين من الإنسان مثلا - وهو نطفة مصورة بصورته - مجهز في نفسه بقوى وأعضاء تناسب من الأفعال والآثار ما ينتهي به إلى الإنسان الكامل في نفسه وبدنه ، فقد أعطيت النطفة الإنسانية بمالها من الاستعداد خلقها الذي يخصها وهو الوجود الخاص بالإنسان ، ثم هديت وسيرت بما جهزت به من القوى والأعضاء نحو مطلوبها ، وهو غاية الوجود الإنساني والكمال الأخير الذي يختص به هذا النوع . ومن هنا يظهر معنى عطف قوله : * ( هدى ) * على قوله : * ( أعطى كل شئ خلقه ) * ب " ثم " وأن المراد التأخر الرتبي ، فإن سير الشئ وحركته بعد وجوده رتبة ، وهذا التأخر في الموجودات الجسمانية تدريجي زماني بنحو . وظهر أيضا أن المراد بالهداية الهداية العامة الشاملة لكل شئ دون الهداية الخاصة بالإنسان ، وذلك بتحليل الهداية الخاصة وتعميمها بإلقاء الخصوصيات ، فإن حقيقة هداية الإنسان بإراءته الطريق الموصل إلى المطلوب ، والطريق رابطة
--> ( 1 ) طه : 50 . ( 2 ) النور : 35 .